بعد ولاتي 3 روماني مكرم

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

. لكن الرجوع؟ الرجوع بيني وبينك بقى أبعد من السماء عن الأرض!” جوزي اتنفض على الأرض وكأن كلمة “أبعد” دي كانت اتغرست في نص قلبه، صرخ بصوت شاحب ومبحوح: “ليه يا شيماء؟! ليه بعد ما ذليت نفسي وجيت لحد عندك وزحفت على ركبي؟ ليه وأنا بتقطع في اليوم ألف مرة وندمان على كل لحظة فرطت فيها فيكي؟

أنا مستعد ألغي شخصيتي القديمة كلها، أعيش تحت جزمتك، أقطع علاقتي بأي حد يضايقك، بس ما تحرمينيش منك ومن ابني!” رديت عليه بهدوء قاتل، والهدوء ده كان أشري عليه من الزعيق: “عشان الثقة لما بتتدمر ما بترجعش يا ابن الناس.. المرء ممكن يسامح اللي جرحه، بس عمره ما يقدر يأمن له تاني. أنا يوم ما خرجت من بيتك الساعة خمسة الصبح وجرحي بينزف، ما خرجتش زعلانة من أمك.

. أنا خرجت حزينة عليك أنت! على الراجل اللي اخترته وسندت رأسي عليه، ولما احتاجته يرمي عليا غطاه ويحميني من الدنيا، سابني أنزف وقالي ‘قومي عشان مش عايزين مشاكل!’.. أنت بعتني برخيص، واللي يبيع برخيص، ما يشتريش تاني ولو بدفع عمره كله!” أبوي قرب منه ومسكه من تحت باطه رفعه من على الأرض بالعافية، جوزي كان جسمه زي الواير المقطوع، مش قادر يشيل نفسه من كثر الكسرة والندم.

أبويا بص له وقال له بنبرة أصلية فيها رحمة الصعايدة بس بدون تنازل: “قوم يا بني.. قوم وقف على حيلك، الرجال ما تتمرغش في التراب كدا. بتي قالت كلمتها، والقلب إذا زهد في الشيء خلاص ما يدخلوش تاني. أنت ليك عندنا أصل ونخوة، هتفضل تاخد واجبك وضيافتك كل ما تيجي، وابنك مش هنسرق منك ولا هنعلم عليه يكرهك، هتشوفه في أوقات الرؤية وهنكبره على إنك أبوه..

لكن شيماء خلاص، خرجت من ذمتك وفي طريقها، وأنت في طريقك.” جوزي بقى يتلفت في الصالة زي المجنون، يادوب شايف من كثر الدموع اللي مغمية عينيه، يبص لي يلاقيني لافة ضهري، يبص لـ “حمزة” يلاقيه خايف من شكله ومستخبي في حــ,,ـــــضن أمه، يبص لأبوي وأمي يلاقيهم واقفين بجمود وكرامة ما تتهزش. أمي دخلت المطبخ وجابت كوباية مية، مدتها له وهي بتقول له بقلب أم: “اشرب يا بني واهدا..

ربنا أرحم منا جميعاً، أنت ذقت عقاب فعلك في الدنيا، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم.. روح لأمك المريضة واخدمها، ده باب الجنة بتاعك دلوقتي، واعلم إن دعوة المظلوم ما بينها وبين الله حجاب.” أخد كوباية المية بإيدين بترعش، شرب منها بؤ واحد ورماها على الأرض اتكسرت مية حتة، وقعد يصرخ ويكلم نفسه: “أنا اللي خربت بيتي بإيدي! أنا اللي سمعت كلام الجهل والافتراء!

أنا اللي حرمت نفسي من اللقمة الهنية والبيت الدافئ عشان خاطر تراب وشقة مقفولة! يارتني قطعت لساني، يارتني دفــ,,ـــــنت نفسي ولا إني أقف الوقفة دي!” خرج من البيت وهو بيترنح في الشارع، ويمشي خطوات ويقع، والناس في الشارع الصعيدي يبصوا عليه ويتحسروا على حاله. رجع القاهرة، بس ما رجعش الشاب بتاع زمان.. رجع راجل عاجز، قلبه ميت، وجسمه بقى زي الخيال.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
👑 عضوية ذهبية
صاصو صاصو

صاصو صاصو موثّق 👑 ذهبي ✦ ناشر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
243مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة