نُحيطكم علماً بأن المريض (فلان) يرقد لدينا في قسم الباطنة بالمستشفى العام بطنطا في حالة صحية حجة جداً، إثر إزاداد وتدهور حالته بمرض التليف الكبدي والفشل الكلوي. المريض يرفض العلاج، ولا يوجد بجانبه أي مرافق أو أحد من أقاربه، وهو في ساعات حارجة من عمره، ولا يتوقف عن المناداة باسم ابنه ‘حمزة’ وطلب العفو من زوجته السابقة ‘شيماء’. نرجو حضوركم أو إبلاغ من يهمه الأمر للضرورة القصوى قبل فوات الأوان.
” أمي حطت إيدها على صدـ,,ـــري وصدـ,,ـــرها وبدأت تبكي: “يا مري يا بني! الداهية اللي طاح فيها دي كلها وهو لوحده في الغربة؟ لا حبيب ولا قريب جنبه؟” أبوي قفل الجواب وطواه ببطء، بص لي بعيون مليانة وقار وحكمة، وقال لي بصوت صلب هادي: “سمعتِ الجواب يا بتي؟ الأيام دارت، والراجل بين إيدين الكريّم.. لا هينفعه ندم ولا هينفعنا قسوة. القلوب لو ما لانتش في لحظات المــ,,ـــــوت، يبقى ما فيهاش رحمة ربنا.
” قعدت على الدكة وأنا جسمي كله بيتكتك. افتكرت كل حاجة.. افتكرت النهار اللي كنت واقفة فيه بتسند على الحيطة وأنا جرح القيصرية ناضح دم، وهو بيبص لي بقلة حيلة وبيقول لي “قومي نضفي شقة أختي ومش عايزين مشاكل”. افتكرت أمه وهي بترميني بالفقر، وافتكرت القطر السريع اللي ركبته في نص الليل بدموعي ونزيفي.. وافتكرت كمان منظره وهو زاحف على ركبتيه في صالتنا، وشعره اللي ابيض، وجسمه اللي اتنحل، والدموع اللي غسلت وشو في مركز الشباب.
بصيت لأبوي وقُلت له بصوت مخنوق: “أنا سامحته لله يا أبوي من زمان.. بس أروح له؟ أروح أعمل إيه بعد السنين دي كلها؟” أبوي قام وقف، وعدل الشال على كتافه وقال بقاطعية الصعايدة: “تروحي يا بتي.. تروحي وتاخدي حمزة معاكي، عشان الولد يشوف أبوه للمرة الأخيرة، وعشان ما يجيش يوم ويقول أمي حرمتني من شوفة أبوي وهو بيمــ,,ـــــوت. ونحن ناس عندنا أصل، لما الخصم يقع ويستسلم للمــ,,ـــــوت، النخوة بتقول نحضر ونستر ونشيل.
” سافرنا في نفس الليلة. أخدنا قطار الليل المتجه لشمال مصر. الطريق كان طويل ومظلــ,,ـــــم، صوت عجيب القطر على القضبان كان بيضــ,,ـــــرب في دماغي ويرجع لي شريط سنين طويلة من العذاب والانتصار والكرامة. حمزة كان نايم في حــ,,ـــــضني، بقى ولد عنده أربع سنين، يفهم ويعرف، وكل شوية يصحى يسألني: “إحنا رايحين فين يا ماما؟” وأنا أرد عليه وأمسح على شعره: “رايحين نشوف بابا يا حبيبي، بابا تعبان شوية ولازم نطمن عليه.
” وصلنا مستشفى طنطا العام مع أول شعاع شمس للنهار الجديد. الريحة في العنبر كانت ريحة المظهرات والأدوية والهم. مشينا في الطرقات الطويلة، أبوي ماشية بثبات وفي إيده العكاز، وأنا ماشية جنبه شايلة حمزة أو ماسكة إيده. دخلنا العنبر المجاني.. كان عنبر كبير فيه عشرات الأسرة المتراصة، كل سر,,ـــــير عليه إنسان بينتظر مصيره. سألنا الممرضة، شاورت لنا على سر,,ـــــير في أخر العنبر جنب الشباك.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.