سكت محمود ولم يرد، بل غطى وجهه بيديه وبكى بكاءً مراً على ما ضاع منه. بعد خروج أم محمود من المستشفى، أصبحت بحاجة لخدمة ورعاية مستمرة، وبما أن محمود يعمل طوال النهار ولا يملك المال الكافي لاستئجار ممرضة أو خادمة بعد الأقساط والنفقة المقتطعة من مرتبه، اضطر أن يبحث عن زوجة جديدة تشيل عنه وعن أمه الحمل.
بدأ محمود يسأل ويطلب من بعض المعارف الوساطة لخطبة امرأة قبل بظروفه وشقته. ولكن السمعة كانت قد سبقت كل خطوة. كلما تقدم لبيت صبية أو امرأة، ويسأل أهلها عنه في منطقته أو في شركته القديمة، يأتي الرد صريحاً وقاسياً: “ده الراجل اللي دخل أمه وأخته يسرقوا عفش مراته الموظفة وشقاها، وفضحها في شغلها، والمحكمة حكمت عليه بالحبس والنفقة!
” كانت الأبواب تُغلق في وجهه واحدة تلو الأخرى، ولم تقبل به أي عائلة تحترم ابنتها وتخاف على كرامتها. وفي نهاية المطاف، وبعد محاولات فاشلة وكثيرة، لم يجد محمود أمامه سوى القبول بالتطوع لخطبة امرأة مطلقة ولديها ثلاثة أطفال، واشترط أهلها عليه شروطاً قاسية جداً: مؤخر صداق كبير، وإلغاء أي تدخل لأمه في حياتهما، وأن تكتب الشقة باسمها أو يدفع لها إيجاراً مستقلاً، بالإضافة إلى إحضار تكييف جديد وأجهزة حديثة بماله الخاص وقبل عقد القران!
وجد محمود نفسه مجبراً على كتابة كمبيالات جديدة ودخول ديون مضاعفة فوق ديونه القديمة فقط ليجد امرأة تقبل العيش معه ومع أمه المريضة التي أصبحت لا تستطيع الحركة إلا بمساعدة. في المقابل، كانت عبير تواصل نجاحاتها في العمل. كافأتها إدارة الشركة بترقية جديدة لتقود فريق المبيعات في الفرع الرئيسي بعد اجتهادها الملاحظ وتفوقها.
وفي أحد الأيام، جاء إلى الشركة عميل كبير، رجل أعمال محترم يملك سلسلة مراكز تجارية، يدعى “المهندس شريف”، راجل خلوق وأرمل يبلغ من العمر أربعين عاماً، جاء لإبرام عقد توريد ضخم مع الشركة. خلال الاجتماعات والعمل المتواصل، أعجب المهندس شريف بأخلاق عبير العالية، وذكائها، وأسلوبها الراقي في التعامل، وكرامتها التي تتجلى في كل كلمة وحركة.
سأل عنها مدير الفرع الأستاذ سامح، فأخبره الأستاذ سامح بالقصة كاملة وبصلابة عبير وأخلاقها الشريفة وكيف دافعت عن حقها وكرامتها حتى النهاية. ازداد احترام المهندس شريف لها، وبعد انتهاء الصفقة، طلب مقابلة الحاج عبد الله رسمياً في بيته لطلب يد عبير للزواج. عندما دخل المهندس شريف بيت الحاج عبد الله، كان يحمل معه كل معاني الرجولة والأصول. جلس مع الحاج عبد الله وإخوة عبير، وقال بصوت حنون وصادق: * يا حاج عبد الله.
. أنا رجل أقدر بنت الأصول وأعرف قيمتها. عبير مش بس ممتازة في شغلها، عبير ست مكرمة وعزيزة النفس، وأنا جاي أطلب إيدها وأوفر لها الحياة اللي تستاهلها، ومش عاوز منها غير كرامتها وحسها الطيب في بيتي، وكل طلباتها وطلباتك أوامر. وافقت عبير بعد تفكير واستخارة، وحضر المهندس شريف جهز لها شقة فاخرة في حي راقٍ، واشترى لها كل ما تت مناه دون أن يطلب منها مليماً واحداً أو ينظر لمرتبها وشغلها إلا بكل فخر واعتزاز.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.