وافقت عبير بعد تفكير واستخارة، وحضر المهندس شريف جهز لها شقة فاخرة في حي راقٍ، واشترى لها كل ما تت مناه دون أن يطلب منها مليماً واحداً أو ينظر لمرتبها وشغلها إلا بكل فخر واعتزاز. تم عقد القران في حفل عائلي بهيج حضره كل من يحب عبير وعائلتها، وكانت الابتسامة ترتسم على وجه الحاج عبد الله وهو يرى بنته تعوض عن كل لحظة قهر وكسرة عاشتها.
في يوم الزفاف، وأثناء مرور سيارة الزفة الفاخرة التي تقل عبير وزوجها المهندس شريف في الشارع الرئيسي القريب من منطقة محمود، كان محمود يقف بالصدفة عند محطة الحافلات، ينتظر الأتوبيس وهو يحمل أكياس العلاج الثقيلة لأمه والديون تطارده من كل جانب. نظر محمود من شباك السيارة الفاخرة، فرأى عبير تجلس كالملكة بجوار زوجها الجديد الذي يبتسم لها ويغمرها بالحنية والاحترام. انحبست الأنفاس في صدـ,,ـــر محمود، وسقطت أكياس العلاج من يده على الأرض.
تذكر محمود اللحظة التي وقف فيها في هذا الشارع بالذات، عندما قال لعبير بغرور وظلــ,,ـــــم: “لو مشيتِ دلوقتي مش هترجعي تاني!”، وتذكر كيف باع شقاها وكرامتها عشان يرضي طمع أمه. رحلت السيارة الفاخرة واندفعت في طريقها المشرق، وبقي محمود واقفاً في منتصف الطريق، تحيط به الأتربة والديون والندم الذي سيبقى يحــ,,ـــــرقه طوال ما بقي من عمره.
مرت أسابيع قليلة على زفاف عبير والمهندس شريف، وكانت حياتها الجديدة عبارة عن شاطئ أمان بعد عاصفة عاتية. شريف لم يكن مجرد زوج، بل كان سنداً بحق، يحترم عملها، ويقدّر كرامتها، ولا يترك مناسبة إلا ويعبر فيها عن افتخاره بها وبأخلاقها. انتقلت عبير للعيش في الشقة الجديدة الراقية، شقة واسعة، جرى تجهيزها بحدث الأجهزة والتكييفات في كل غرفة دون أن تتحمل عبير مليماً واحداً من مالها الخاص، بل كان شريف يرفض تماماً حتى أن تدفع جزءاً من مصروف البيت من راتبها، قائلاً لها دائماً: “مرتبك ده شقاكِ وحدك، حطيه في حسابك أو اعملي بيه اللي يعجبك، أنتِ ملكة في بيتي ومسؤولة مني بالكامل.
” في المقابل، كانت حياة محمود تسير من سيئ إلى أسوأ، كأن دعوات القهر التي خرجت من قلب عبير وأبيها كانت تنزل عليه وعلى أمه عقاباً يومياً متواصلاً. جاء موعد زفاف محمود الثاني من المرأة المطلقة التي وافق أهلها عليه بشروطهم القاسية. اضطر محمود لتوقيع كمبيالات جديدة وإيصالات أمانة لتغطية تكاليف المؤخر وشراء أجهزة وتكييف جديد لشقتها الجديدة التي استأجرها لها بحسب الشرط، ليجد نفسه غارقاً في ديون تجاوزت طاقته المالية بمرتبات سنوات قادمة.
في ليلة الدخلة، دخلت الزوجة الجديدة “سامية” الشقة، وكانت امرأة حادة الطبع، واعية تماماً لما حدث مع زوجته الأولى، وعارفة بكل تفاصيل الفضيحة. لم تمضِ سوى أيام قليلة حتى بدأت المشاكل تطفو على السطح. في أحد الأيام، صعدت “أم محمود” إلى شقة ابنها الجديدة لتأخذ بعض الأكل أو تنام في التكييف كما كانت تفعل سابقاً في شقة عبير. دخلت بمفتاحها الذي أخذته من محمود دون علم زوجته.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.