عزومه 1 روماني مكرم

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

أمي خط أحمر! كلمة ثانية وهتصل بوالدك أخليه ييجي ياخدك، وما ترجعيش هنا تاني إلا لما تتعلمي الأدب وتعرفي الأصول!” في اللحظة دي، اتكسرت أخر قشة كنت ماسكة فيها. عرفت إن الجوازة دي ما فيهاش أمان، وإن الراجل ده مش حماية ولا سند، ده مجرد أداة في إيد أمه بتتحكم فيه زي العروسة المارينيت. سكتّ.. وما ردتش بكلمة واحدة. أخدت جنب في الأوضة، ونمت بدموعي للمرة الألف من ساعة ما دخلت البيت ده.

تاني يوم الصبح، صحيت على صوت التخبيط العالي على باب الأوضة. حماتي بتزعق بصوتها الرنان: “قومي يا عروسة! أختي وعيالها جايين بعد ساعتين، قومي شوفي المطبخ ورتبي البيت، ومفيش وقت للكسل والدلع ده!” خرجت من الأوضة وأنا حاسة بتقل في جسمي، بس المرة دي ما كانش فيا حيل أقول “حاضر” ولا حيل أقاوم. بصيت لها وقلت بصوت هادي ومجهد: “أنا تعبانة يا ماما.. مش هقدر أقف في المطبخ النهار ده.

” عينيها وسعت من الصدمة، وزعقت أكتر: “نعم؟ تعبانة إيه ودلع إيه؟ أنتِ فاكرة نفسك فين؟ ده بيتي والكلمة كلمتي! لما أقول قومي تعملي أكل للضيوف يبقى تقومي ورجلك فوق رقبتك! ولا فاكرة إنك لما تزعلي وتعملي لي فيها مكسورة الخاطر هسيبك براحتك؟” جوزي خرج من الحمام، ولما شاف الموقف، بدل ما يهدّي أمه أو يراعي إني مريضة، بص لي بنظرة قسوة وقال: “في إيه يا هانم؟

من أولها كده هتبدأي تعاندي وتعملي مشاكل؟ قومي شوفي أمي عايزة إيه وبلاش شغل الجنان ده!” الموقف كان أشد من طاقة أي بني آدم. وقفت في نص الصالة، وشفت المطبخ اللي قضيت فيه أحلى أيام شغفي وأنا بعجن وبطبخ بحب، بقى بالنسبة لي سجــ,,ـــــني ومشنقتي. دخلت المطبخ وأنا حاسة بإن كرامتي بتتداس كل ثانية بفضل سكوتي. بدأت أطبخ وأنا جسمي كله بيترعش من القهر.

عملت الأكل وأنا مش حاسة بطعمه، والدموع بتنزل على الخضار والمحشي اللي بحضره. على الضهر، البيت اتملى بأهل حماتي.. اختها وعيالها وقرايبها من البلد. دخلوا وهي بتستقبلهم بالأحضان والضحكات العالية، وقعدوا يتسامروا ويضحكوا. وأنا جوة المطبخ، زي الخدامة تماماً، بأكل وبغسل وبمسح. ولا حد منهم يكلف نفسه يسألني: “أنتِ عاملة إيه؟” أو حتى يساعدني بكباية مية. وبعد ما خلصوا الأكل، خرجت ألم الصحون.

سمعت أخت حماتي بتقول لها بصوت واطي: “والله يا أختي العروسة دي مطيعة وشغالة كويسة، بس شكلها زعلانة ومبوزة ليه كده؟” ردت حماتي بصوت عالي وبكل قسوة عشان أسمعها: “سبيكي منها يا أختي، دي حركات بنات اليومين دول، فاكرة نفسها جاية تتستت وهي حتة بت لا راحت ولا جارت، وما حيلتهاش حاجة.. أنا اللي أعمل لها قيمة وأنا اللي أكسر مناخيرها عشان تعرف إن الله حق!” الكلمات دي كانت بمثابة الرصاصة اللي .

ت أخر أمل جواه.. حسيت إن الدم غلى في عروقي. طقطق جواه شيء، ولأول مرة من يوم ما دخلت البيت ده، حسيت إن السكوت لم يعد أدباً، بل جُبناً وخيانة لنفسي ولأهلي اللي اتربيت على كرامتهم. جمعت الأطباق كلها، وأنا إيدي بتتنفض.. ودخلت المطبخ. قفلت الباب عليا. وقفت قدام المراية الصغيرة اللي متعلقة في المطبخ، وبصيت لوشي.. الشحوب، الهالات السودة تحت عيني، والكسرة اللي في ملامحي.. قلت لنفسي: “أنتِ مش دي.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
👑 عضوية ذهبية
صاصو صاصو

صاصو صاصو موثّق 👑 ذهبي ✦ ناشر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
243مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة